الغزالي

72

إحياء علوم الدين

لك أيضا أن تترك البحث ، فتأخذ كل ما لا تتيقن تحريمه . بل السؤال واجب مرة ، وحرام مرة ، ومندوب مرة ، ومكروه مرة ، فلا بد من تفصيله والقول الشافي فيه ، هو أن مظنة السؤال مواقع الريبة . ومنشأ الريبة ومثارها إما أمر يتعلق بالمال ، أو يتعلق بصاحب المال . المثار الأول ( أحوال المالك ) وله بالإضافة إلى معرفتك ثلاثة أحوال : إما أن يكون مجهولا ، أو مشكوكا فيه ، أو معلوما بنوع ظن يستند إلى دلالة . الحالة الأولى : أن يكون مجهولا . والمجهول هو الذي ليس معه قرينة تدل على فساده وظلمه ، كزي الأجناد . ولا ما يدل على صلاحه ، كثياب أهل التصوف والتجارة والعلم وغيرها من العلامات . فإذا دخلت قرية لا تعرفها ، فرأيت رجلا لا تعرف من حاله شيئا ، ولا عليه علامة تنسبه إلى أهل صلاح أو أهل فساد ، فهو مجهول . وإذا دخلت بلدة غريبا ، ودخلت سوقا ، ووجدت رجلا خبازا أو قصابا أو غيره ، ولا علامة تدل على كونه مربيا أو خائنا ، ولا ما يدل على نفيه ، فهو مجهول ولا يدرى حاله . ولا نقول إنه مشكوك فيه لأن الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين ، لهما سببان متقابلان ، وأكثر الفقهاء لا يدركون الفرق بين ما لا يدرى ، وبين ما يشك فيه . وقد عرفت مما سبق أن الورع ترك ما لا يدرى قال يوسف بن أسباط ، منذ ثلاثين سنة ما حاك في قلبي شيء إلا تركته . وتكلم جماعة في أشق الأعمال ، فقالوا هو الورع ، فقال لهم حسان بن أبي سنان ، ما شيء عندي أسهل من الورع ، إذا حاك في صدري شيء تركته فهذا شرط الورع ، وإنما نذكر الآن حكم الظاهر فنقول : حكم هذه الحالة أن المجهول إن قدم إليك طعاما ، أو حمل إليك هدية ، أو أردت أن تشترى من دكانه شيئا ، فلا يلزمك السؤال . بل يده وكونه مسلما دلالتان كافيتان في الهجوم على أخذه . وليس لك أن تقول الفساد والظلم غالب على الناس ، فهذه وسوسة وسوء ظن